عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

52

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الربوبية عرشها والملكية كرسيها والعظمة رفرفها ، والقدرة جرسها ، والقهر صلصلتها ، وكان الاسم الرحمن هو الظاهر فيها بجميع مقتضيات الكمال على نظر تمكنه واعتبار سريانه في الموجودات ، واستيلاء حكمه عليها وهو استواؤه على العرش ، لأن كل موجود يوجد فيه ذات اللّه سبحانه وتعالى بحكم الاستيلاء ، فذلك الموجود هو العرش لذلك الوجه الظاهر فيه من ذات الحق سبحانه وتعالى ، وسيأتي الكلام في العرش من هذا الكتاب عند الوصول إلى موضعه إن شاء اللّه تعالى . وأما استيلاء الرحمن فتمكنه سبحانه وتعالى بالقدرة والعلم والإحاطة من موجوداته مع وجوده فيها بحكم الاستواء المنزّه عن الحلول والمماسة ، وكيف يجوز الحلول والمماسة وهو عين الموجودات نفسها ، فوجوده تعالى في موجوداته بهذا الحكم من حيث اسمه الرحمن لأنه رحم المخلوق بظهوره فيه وبإبرازه المخلوق في نفسه وكلا الأمرين واقع فيه . واعلم أن الخيال إذا تشكل صورة ما مثلا في الذهن كان ذلك التشكل والتخيل مخلوقا ، والخالق موجودا في كل مخلوق ، وذلك التخيل والتشكل موجود فيك وأنت الحق باعتبار وجوده فيك ، فوجب لك التصوير في الحق ووجد الحق فيه ، قد نبهت في هذا الباب على سرّ جليل القدر يعلم منه كثير من أسرار اللّه ، كسرّ القدر وسرّ العلم الإلهي وكونه علما واحدا يعلم به الحق والخلق ، وكون القدرة منشؤها الأحدية ولكن من المجلي الرحماني ، وكون العلم أصله الواحدية ولكن من المجلي الرحماني ، وخلف هذا كله نكيتات أشارت إليها تلك الكمالات ، فتأمل من أول الباب وارم القشر وخذ اللباب ، واللّه الموفق للصواب . ( فصل ) اعلم أن الرحيم والرحمن اسمان مشتقان من الرحمة ، ولكن الرحمن أعمّ والرحيم أخصّ وأتم ، فعموم الرحمن لظهور رحمته في سائر الموجودات ، وخصوص الرحيم لاختصاص أهل السعادات به ، فرحمة الرحمن ممتزجة بالنقمة ، مثلا كشرب الدواء الكريه الطعم والرائحة ، فإنه ولو كان رحمة بالمريض فإن فيه ما لا يلائم الطبع ، ورحمة الرحيم لا يمازجها شوب ، فهي محض النعمة ولا توجد إلا عند أهل السعادات الكاملة . ومن الرحمة التي تحت اسمه الرحيم رحمة اللّه تعالى لصفاته وأسمائه بظهور آثارها ومؤثراتها ، فالرحيم في الرحمن كالعين في هيكل الإنسان أحدهما الأعزّ الأخصّ الرفيع ، والآخر الشامل للجميع ، ولهذا قيل : إن الرحيم لا تظهر رحمته بكمالها إلا في الآخرة لأنها أوسع من الدنيا ولأن كل نعيم في الدنيا لا بد